الفلسفة البحثية هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء في البحث. إنها تُحدد نظرة الباحث للعالم وللمعرفة، وتُشكّل افتراضاته حول ثلاثة أسئلة جوهرية:
- الأنطولوجيا (Ontology): ما طبيعة الواقع؟ هل هو موضوعي مستقل أم مبني اجتماعياً؟
- الإبستمولوجيا (Epistemology): كيف نعرف ما نعرفه؟ ما المعرفة المقبولة؟
- الأكسيولوجيا (Axiology): ما دور القيم في البحث؟ هل يمكن أن يكون الباحث محايداً؟
1.1 الوضعية (Positivism)
الوصف:
الوضعية هي الفلسفة التي سادت العلوم الطبيعية وانتقلت للعلوم الاجتماعية. تفترض أن الواقع موجود بشكل مستقل عن الوعي البشري، وأنه يمكن دراسته بموضوعية من خلال الملاحظة والقياس. المعرفة الحقيقية هي فقط ما يمكن التحقق منه تجريبياً.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع واحد وموضوعي وقابل للقياس
- الباحث منفصل عن موضوع البحث ولا يؤثر فيه
- المعرفة تُكتسب من خلال الملاحظة المباشرة والتجريب
- الهدف هو اكتشاف القوانين والعلاقات السببية
- القيم يجب أن تُستبعد من عملية البحث
متى تُستخدم:
- عندما يكون الهدف اختبار فرضيات محددة مسبقاً
- عندما تُريد نتائج قابلة للتعميم على مجتمعات أكبر
- عندما تدرس ظواهر يمكن قياسها كمياً
- في البحوث التجريبية والمسحية الكبيرة
- عندما تبحث عن علاقات سببية واضحة
أمثلة تطبيقية:
- قياس أثر برنامج تدريبي على الأداء الوظيفي
- دراسة العلاقة بين الدخل ومستوى التعليم
- اختبار فعالية دواء جديد
1.2 ما بعد الوضعية (Post-positivism)
الوصف:
ما بعد الوضعية هي تطور نقدي للوضعية. تُقر بوجود واقع موضوعي لكنها تعترف بأن معرفتنا به ناقصة وقابلة للخطأ. بدلاً من التحقق المطلق، تعتمد على مبدأ التكذيب (Falsification) الذي طرحه كارل بوبر: لا يمكننا إثبات أن نظرية صحيحة، لكن يمكننا إثبات أنها خاطئة.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع موجود لكن لا يمكن فهمه بشكل كامل
- المعرفة احتمالية وليست يقينية
- الموضوعية هدف نسعى إليه لكن لا نحققه بالكامل
- التحيز موجود ويجب التحكم فيه قدر الإمكان
- النظريات تُختبر بمحاولة تكذيبها لا إثباتها
متى تُستخدم:
- في البحوث الكمية التي تعترف بحدود التعميم
- عندما تدرس ظواهر معقدة يصعب عزل متغيراتها تماماً
- في البحوث شبه التجريبية
- عندما تريد الجمع بين الصرامة المنهجية والواقعية
الفرق عن الوضعية:
الوضعية تدّعي اليقين، بينما ما بعد الوضعية تقبل بالتقريب والاحتمالية.
1.3 التفسيرية (Interpretivism)
الوصف:
التفسيرية تنطلق من أن العالم الاجتماعي يختلف جوهرياً عن العالم الطبيعي. البشر ليسوا أشياء جامدة بل كائنات تُعطي معاني لتجاربها. لذا لا يمكن دراسة السلوك البشري بنفس طريقة دراسة الظواهر الطبيعية. الهدف هو الفهم (Verstehen) لا التفسير السببي.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع الاجتماعي مبني ومتعدد (كل فرد يبني واقعه)
- المعرفة تُبنى من خلال التفاعل بين الباحث والمبحوث
- لا يمكن فصل الباحث عن موضوع بحثه
- الهدف هو فهم المعاني والتفسيرات لا اكتشاف القوانين
- السياق ضروري لفهم الظاهرة
متى تُستخدم:
- عندما تريد فهم كيف يُفسر الناس تجاربهم
- لدراسة الظواهر الاجتماعية المعقدة والغامضة
- عندما يكون السياق الثقافي والاجتماعي مهماً
- في الدراسات الاستكشافية لظواهر جديدة
- عندما تهتم بالعمق أكثر من التعميم
أمثلة تطبيقية:
- فهم تجربة المرضى مع مرض مزمن
- دراسة كيف يُفسر المعلمون نجاحهم وفشلهم
- استكشاف معنى القيادة في ثقافة معينة
1.4 البنائية الاجتماعية (Social Constructivism)
الوصف:
البنائية الاجتماعية تذهب أبعد من التفسيرية في التأكيد على أن الواقع يُبنى اجتماعياً من خلال التفاعل واللغة والثقافة. لا توجد حقيقة واحدة بل حقائق متعددة تُبنى في سياقات مختلفة. المعرفة ليست اكتشافاً بل اختراعاً اجتماعياً.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع يُبنى من خلال التفاعل الاجتماعي
- اللغة هي الوسيط الأساسي لبناء المعنى
- المعرفة نسبية ومرتبطة بسياقها
- لا توجد حقيقة موضوعية مستقلة عن من يُدركها
- الباحث مشارك في بناء المعرفة لا مكتشف لها
متى تُستخدم:
- لدراسة كيف تُبنى المفاهيم والهويات اجتماعياً
- في تحليل الخطاب واللغة
- لفهم كيف تُصبح بعض الأفكار "طبيعية" أو "بديهية"
- في دراسات الجندر والهوية والثقافة
الفرق عن التفسيرية:
التفسيرية تركز على فهم المعاني الفردية، بينما البنائية تركز على كيفية بناء هذه المعاني اجتماعياً.
1.5 الواقعية النقدية (Critical Realism)
الوصف:
الواقعية النقدية، التي طورها روي باسكار، تحاول الجمع بين الاعتراف بوجود واقع مستقل (كالوضعية) وبين الإقرار بأن فهمنا له مشروط اجتماعياً (كالتفسيرية). تُميز بين ثلاثة مستويات للواقع:
- الواقعي (Real): البنى والآليات الكامنة التي تُنتج الأحداث
- الفعلي (Actual): الأحداث التي تحدث سواء لاحظناها أم لا
- التجريبي (Empirical): ما نختبره ونلاحظه فعلاً
الافتراضات الأساسية:
- الواقع موجود مستقلاً عن إدراكنا له
- معرفتنا بالواقع مبنية اجتماعياً وقابلة للخطأ
- هناك بنى كامنة وآليات سببية لا يمكن ملاحظتها مباشرة
- الهدف هو الكشف عن هذه الآليات الكامنة
- السياق مهم لفهم كيف تعمل الآليات السببية
متى تُستخدم:
- لدراسة الظواهر المعقدة ذات الأسباب الكامنة
- عندما تريد تجاوز الثنائية بين الكمي والنوعي
- في دراسات السياسات والتقييم
- لفهم "لماذا" تنجح بعض التدخلات في سياقات دون أخرى
أمثلة تطبيقية:
- دراسة البنى الاجتماعية التي تُنتج الفقر
- فهم الآليات الكامنة وراء نجاح أو فشل سياسة تعليمية
1.6 النظرية النقدية (Critical Theory)
الوصف:
النظرية النقدية، التي نشأت من مدرسة فرانكفورت، ترى أن الواقع شكّلته عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية. المعرفة ليست محايدة بل مرتبطة بالمصالح والقوة. البحث يجب أن يكشف عن علاقات الهيمنة والظلم ويسعى للتحرر والتغيير.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع شكّلته علاقات القوة والهيمنة عبر التاريخ
- المعرفة ليست محايدة بل تخدم مصالح معينة
- البحث ليس محايداً ويجب أن يكون ملتزماً
- الهدف هو التحرر وتغيير الواقع لا مجرد فهمه
- الباحث منخرط وملتزم بقيم العدالة
متى تُستخدم:
- لدراسة علاقات القوة والهيمنة
- في بحوث العدالة الاجتماعية
- لكشف الأيديولوجيات المهيمنة
- عندما يكون الهدف التغيير الاجتماعي
- في دراسات الطبقة والعرق والجندر
أمثلة تطبيقية:
- تحليل كيف تُعيد المناهج الدراسية إنتاج عدم المساواة
- دراسة تمثيل الأقليات في وسائل الإعلام
1.7 البراغماتية (Pragmatism)
الوصف:
البراغماتية ترفض الانحياز لفلسفة واحدة وترى أن السؤال المهم ليس "ما طبيعة الواقع؟" بل "ما الذي ينجح في حل المشكلة؟". المعرفة الصالحة هي التي تُنتج نتائج عملية مفيدة. الفلسفة يجب أن تخدم البحث لا أن تُقيده.
الافتراضات الأساسية:
- المشكلة البحثية هي المحدد الأول للمنهج
- لا توجد فلسفة واحدة صحيحة لكل المواقف
- يمكن الجمع بين الأساليب الكمية والنوعية
- المعرفة المفيدة هي التي تحل المشكلات
- النتائج العملية أهم من الجدل الفلسفي
متى تُستخدم:
- في البحوث المختلطة التي تجمع الكمي والنوعي
- عندما تكون المشكلة البحثية معقدة وتحتاج مقاربات متعددة
- في البحوث التطبيقية والتقييمية
- عندما يكون الهدف إيجاد حلول عملية
1.8 الفلسفة التحويلية (Transformative Paradigm)
الوصف:
الفلسفة التحويلية، التي طورتها دونا ميرتنز، تُركز على المجتمعات المهمشة والمُستبعدة. تُشرك هذه المجتمعات في عملية البحث وتجعل العدالة الاجتماعية هدفاً أساسياً. تُعطي صوتاً لمن لا صوت لهم وتسعى للتغيير.
الافتراضات الأساسية:
- الواقع مُشكّل بعلاقات القوة والامتياز
- المعرفة يجب أن تخدم المهمشين
- الباحث ملتزم بقيم العدالة والتمكين
- المشاركون شركاء في البحث لا مجرد موضوعات
- البحث أداة للتغيير الاجتماعي
متى تُستخدم:
- في بحوث ذوي الاحتياجات الخاصة
- في دراسات الأقليات والمجتمعات المهمشة
- عندما يكون التمكين هدفاً أساسياً
- في البحوث التشاركية المجتمعية
1.9 النسوية كفلسفة بحثية (Feminism)
الوصف:
النسوية كفلسفة بحثية تنطلق من أن المعرفة التقليدية تمركزت حول الذكر وأهملت تجارب النساء. تُركز على قضايا النوع الاجتماعي وعلاقات القوة الجندرية وتسعى لإعادة تشكيل طرق إنتاج المعرفة.
الافتراضات الأساسية:
- المعرفة التقليدية منحازة جندرياً
- تجارب النساء مصدر مشروع للمعرفة
- العلاقة بين الباحث والمبحوث يجب أن تكون تعاونية
- البحث يجب أن يُسهم في تحرير النساء
- الشخصي سياسي
متى تُستخدم:
- في دراسات النوع الاجتماعي والجندر
- لفهم تجارب النساء من منظورهن
- في نقد المعرفة والمؤسسات الذكورية
- في بحوث التمكين والعدالة الجندرية
1.10 فلسفة الشعوب الأصلية (Indigenous Paradigm)
الوصف:
هذه الفلسفة تنطلق من معارف ومنظورات الشعوب الأصلية وطرقها في المعرفة. ترفض هيمنة المنظور الغربي وتُقدم طرقاً بديلة لفهم العالم تقوم على الترابط والعلاقات والروحانية.
الافتراضات الأساسية:
- المعرفة مترابطة وكلية لا مجزأة
- العلاقات (مع الناس والطبيعة والأسلاف) محورية
- البحث يجب أن يحترم ويُفيد مجتمعات الشعوب الأصلية
- طرق المعرفة المحلية مشروعة ومهمة
- الروحانية جزء من المعرفة
متى تُستخدم:
- في البحوث مع مجتمعات الشعوب الأصلية
- عندما تريد تجاوز المنظور الغربي المهيمن
- في دراسات إزالة الاستعمار من المعرفة
1.11 ما بعد الحداثة (Postmodernism)
الوصف:
ما بعد الحداثة تُشكك في كل السرديات الكبرى والحقائق المطلقة. ترى أن المعرفة مجزأة ومتعددة ولا يمكن الوصول لحقيقة واحدة. اللغة لا تعكس الواقع بل تُشكّله.
الافتراضات الأساسية:
- لا توجد حقيقة واحدة أو سردية كبرى
- المعرفة مجزأة ومتعددة
- اللغة تُشكّل الواقع لا تعكسه
- كل المعرفة مشروطة وجزئية
- التشكيك والتفكيك أدوات أساسية
متى تُستخدم:
- في تحليل النصوص والخطابات
- لتفكيك المفاهيم والفئات المأخوذة كمسلمات
- في دراسات الثقافة والهوية
- عند نقد السرديات المهيمنة